حكاية الرجل الذي روى نكتة عن حافظ الأسد

حكاية الرجل الذي روى نكتة عن حافظ الأسد

بطلُ هذه القصة هو المواطن (صاد صاد).. من إحدى البلدات السورية..
إنه رجل فقير، معدم، ولكنه مرحٌ، خفيفُ الظل، قادر على إضحاك الآخرين في أحلك الظروف، وأقساها.
في أوائل التسعينيات من القرن العشرين.. أُوْدِعَ (صاد صاد)، لمدة خمس سنوات ونيف، في سجن تدمر ذي الصيت السيء، بتهمة (تحقير القائد المفدى، الرئيس المناضل، بطل الصمود والتصدي، حافظ الأسد)، بناءً على تقرير أمني أكبر من ملحفة اللحاف، كتبه مُخبر متطوع، ينص على أن (صاد صاد) كان جالساً مع رفاقه، رفاقِ السوء، وأمامهم كؤوس العرق، والمازَوَات، وفي نشوة السُّكْر، وذروة العربدة، روى لرفاقه نكتة ذكر فيها اسم حافظ الأسد هكذا، من دون ألقاب، (وكأنه ابن دورته في العسكرية!)، مفادها أن القائد المفدى يحب الحلويات، وهو، في الوقت ذاته، مصاب بالداء السكري الوبيل، وفي يوم من الأيام حضر طبيبُه الخاص إلى القصر، ورجاه أن يوقِّع له على (استثناء) باستيراد سيارة حديثة، بنمرة دبلوماسية، من دون رسوم جمركية.. فقال له القائد الملهم:
– أُعطيك (استثناء)، بسيارتين، إذا شئت، كل واحدة أفخم من أختها، على حساب القصر الجمهوري بالكامل، أي أنك لن تدفع من ثمنهما قرشاً واحداً، شريطة أن تعطيني أنت (استثناء) بتناول كيلوجرام واحد (فقط) من الحلويات يومياً!!
وجاء في التقرير أن هذه النكتة (الخبيثة) أحدثت بين السكرانين موجة كبيرة من الضحك على شخصة القائد العظيم بطل التشرينين، تشرين التصحيح وتشرين التحرير.. حتى إن أحد السكارى أغمي عليه من شدة الضحك، واضطروا لنقله إلى المشفى بحالة إسعاف!!
***
خلال تلك السنوات العجاف التي أمضاها (صاد صاد) في المعتقل، كان يتعرض، يومياً، للضرب، والتعذيب، والإهانات،.. وكثيراً ما كان يتمنى الموت، ولكن الموت يبتعد عنه، وكان، حينما يرجع إلى المهجع، يتناسى آلامه، بل يترفعُ عليها، ويجمع حوله (زملاءه) في تلقي الظلم والاضطهاد، ويتفنن أمامهم بتقليد الضباط والعناصر الذين كانوا يعذبونه، كيف يتكلمون، وكيف يضربون، وكيف يصلون التيار الكهرباء مع جسده،.. ولا يتقيد، في معظم الأحيان، بالعبارات التي سمعها منهم أثناء ضربه وإهانته، بل يخترع عبارات قريبة منها في المعنى والمضمون،… والسجناء، رغم آلامهم، وغربتهم، والظروف اللا إنسانية التي يعيشون فيها، كانوا يضحكون بصفاء، وكأنهم جالسون في النزهة التي يسميها أهل الشام (السيران)، ويسميها أهل إدلب (السيباني)!.. ولكن.. وللأسف، حينما علم مدير السجن بهذا الأمر.. أمر بإنزاله إلى زنزانة (منفردة) حيث أمضى بقية المدة وهو يرجع من التعذيب والإهانات إلى المنفردة ليجلس طيلة اليوم واضعاً وجهه في وجه الحائط!
***
حينما خرج (صاد صاد) من هذا المعتقل الرهيب.. فوجىء بأمر لم يكن يتوقعه على الإطلاق، وهو أن أهل بلدته لم يأتوا للسلام عليه وتهنئته بالعودة!! وهو يعلم،.. والكل يعلم، أن الخروج من سجن تدمر الرهيب يشبه الولادة الجديدة، فإذا تزوج صديق لك، مثلاً، واشترى صديقٌ ثانٍ داراً جديدة، وفرشها، وذهب ثالثٌ إلى الحج، ووُلد للرابع غلام، ولم تذهب لتهنئتهم، لن يسبب لهم ذلك أذى نفسياً، وأما الخارجُ من جحيم تدمر حافظ الأسد، فلا شك أنه سيموت من الغيظ إذا لم يأت الناس لتهنئته بهذا الخروج المظفر!
وكان هذا هو السبب الرئيسي لإقدام (صاد صاد) على مغادرة البلدة، مرة واحدة، وإلى الأبد.
***
انقطعت أخبار (صاد صاد) عن أهل بلدته، ولم يعد يُسْمَعُ عنه سوى بعض الروايات المتضاربة التي تحكي عن تشرده، وازدياد فقره، ولكن كل الروايات أجمعت على أنه بقي محتفظاً بخفة ظله، حتى إنه، لدى مروره بإحدى القرى، شاهد تجمعاً من الناس عند أحد البيوت، وكانوا واقعين في حيص بيص، فاقترب منهم، وسألهم عن مشكلتهم، فقالوا له إن رجلاً منهم قد مات للتو، وإن شيخ القرية مسافر، ويريدون أن يتقدم رجل مسلم خبير بتلقين الأموات فيلقنه.
قال لهم (صاد صاد): هذه المسألة بسيطة. أنا ألقنه.
فصدقوه، ورجوه أن يتقدم فيلقنه..
أعطى (صاد صاد) للمسألة حقها من الجهامة، والعبوس، والهيبة، جلس بجوار القبر، قبل أن يردوا التراب على الميت، وقال له بجلال:
– يا أخي.. لقنتك تلقينك.. وأنت مُتَّ على دينك.. وإذا طال حُكم حافظ الأسد.. فكلنا لاحقينك!

نقلا عن:زمن الوصال

تعليقات فيسبوك

نبذة عن الكاتب

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

*